نجنسكي

في أحد فصول كتاب كولن ولسن “اللامنتمي” وتحديدا فصل “محاولة السيطرة”. بدأ بتحليل عميق لأحد مشاكل اللامنتمي، ومن ثم أعطى لنا ثلاثة أمثلة وصفت بالكبيرة والصعبة للخلاص حتى أن هذه الأمثلة الثلاث كانت نهايتها مفجعة وعنيفة, وأستطيع أن أقول أن كولن ولسن اختار بالذات اثنان لا يمتان بفلسفة أو أدب, إنما كانا فنانين…
ت.ي.لورانس (أو كما يعرف بلورانس العرب) مثّل العقل بصراحة وانتهت محاولته بالانتحار العقلي

فنسنت فان كوخ الرسام المعروف جدا وكان يمثّل الشعور وانتهى بالجنون

فازلاف نجنسكي راقص: مثل طبعا الجسد والنهاية أيضا الجنون

وكما يقول ولسن: “تميز هؤلاء الثلاثة بميزة واحدة هي أنهم اعتقدوا… بأنهم (لا يملكون شيئا ولا يستحقون شيئا) إن هذا الاعتقاد ولسوء الحظ، لا يتيح للإنسان مركزا ممتازا في صراعه مع مشكلة حية… أي أنهم ضيعوا أنفسهم وضيعوا كل ما كان يحتمل أن يحصلوا عليه من تطور إلى الأفضل. وإذا نظرنا لهؤلاء الأشخاص، إلى لوحة من لوحات فان كوخ، أو رسالة من رسائل لورانس الخطية، أو (أمسية الحيوان الخرافي) لنجنسكي… لشعرنا بآلامهم، لأن هؤلاء الأشخاص لم يفهموا أنفسهم ولهذا فقد ضيعوا مواهبهم. ولو كانوا عرفوا أنفسهم كما نعرفهم نحن لما انتهوا إلى مثل هذه النهايات المفجعة”

لقد بدأ ولسن فصله بحديث موجز عن عدم ثبات كتاب ناقشهم سابقا (هيرمان هيس، جان بول سارتر، باربوس، همنغواي) وتحولهم إلى مواضيع أخرى لا تخص مشاكل اللامنتمي، فهم كما يوضح أنهم كتاب “يتمتع بفطرة تفرض عليه اختيار أبدع ما يمكن تسجيله، فإذا فشل في ذلك أحس بأنه بلغ مرحلة لا يستطيع أن يتقدم فيها خطوة واحدة، فإنه يختار مفهوما جديدا” وعلى ذلك نفهم أننا بصدد أشخاص أخلصوا لمشكلة اللامنتمي حتى النهاية، مهما كانت تلك النهاية المفجعة…

إلا إنني سأركز هنا على فازلاف نجنسكي فقط…
وجد لنجنسكي فقط مذكرات وهو في أيامه الأخيرة, أيام إنحداره, يتأمل ويرسل القلم ليخط ملاحظاته حول الناس والحياة، وصفها ولسن بأنها تفوح منها رائحة الجنون وحتى أن قارئها لا يحتمل قراءة صفحة واحدة أو اثنتين منها وأما من واضب على قراءتها سيجد عقلا غريبا هناك مختفيا خلف هذا الستار من الأفكار اللاهادفة.

إن ما شدني للقراءة عن نجنسكي أستطيع أن ألخصها في أمور ثلاثة:

قوله “لا أريد موت الحواس… أريد أن يفهم الناس أنني لا أستطيع أن أذرف الدموع فيما أكتب، وإنما أبكي في أعماقي”.

من النادر أن تجد أشخاصا يصوغوا حالات قد مررت بها أو لازلت تعيشها في كلمات وجمل بسيطة في تركيبها، لكنها تصيبك في الصميم، تشعر أنه لا يتحدث إلا عنك أنت.

الشخصية نفسها. كان بإمكانه أن لا يخوض وينزل الحضيض في أمور كهذه ويجنب نفسه عناء الجنون. بل إن شهرته كراقص بسطت له الحياة. إبداعاته في الرقص، ابتكاره لحركات جعلت من راقصين في عصره لا يصدقون أن أحدا يمكنه القيام بها مثلما وصفت رباعية بيتهوفن من قبل، كلها كانت كفيلة على الأقل أن تبقي مستقبله مزدهرا مشرقا، ومع ذلك تخلى عن ذلك كله، ليس لأنه ببساطة ضاق ذرعا من دياكيليف ! بل أيضا وباعتقاد أقوى ليكون أكثر وفاءا لنفسه التي رفضت أن تبقى طفلة في عالم الكبار. وعندما تقرأ أنه أصيب بالجنون وهو في سن 29 ، تتساءل – متى بدأ هذا كله ؟!

الجسد: إن محور موضوع نجنسكي كما أشرت سابقا هو الجسد، فكرة شارك بها نيتشه. ولا يخفى علينا أنه قرأ لنيتشه بل إنه حاكاه في بعض الأحيان، ولأنه راقص ولأن نيتشه كان مريضا لم يشار إلى أنه قام بعمل بدني ما، من ضوء ذلك يكون نجنسكي مثّل الجسد أكثر من نيتشه بل ومن المحتمل جدا أنه كان أوفى منه. 

ولد نجنسكي في كييف – روسيا 1888 وكان أبواه راقصين، أمه إليونورا ووالده فوما، وتم قبوله في المدرسة الإمبراطورية للرقص في بيترسبيرغ وهو في سن التاسعة، وبعد ذلك اشتهر برقصاته وعشقه الجمهور، ثم تقابل مع دياكلييف، الذي أثر في نجنسكي بسبب قوة شخصيته وكان منعطف مهم في حياة نجنسكي، فأصبح نجنسكي أحد أفراد فرقة دياكلييف، فرقص مرة مع أنا بافلوفا، ولم تستمر بافلوفا معهم بسبب تفضيل دياكلييف الراقصين الذكور، لكن رقص نجنسكي مع راقصات باليه عظيمات أيضا، مثل تامارا كاراسفينا فرقص معها الباليه الأشهر Le Spectr de la Rose، كان دياكلييف مهتم بكل تفاصيل حياة نجنسكي، من قراءاته وحضوره المسارح، والسهرات،  لكن في عام 1913 قام برحلة مع الفرقة إلى أمريكا لم يرافقهم دياكلييف بسبب خوفه من البحر وبعيدا عن مراقبة أمه وقع نجنسكي في حب الراقصة الهنغارية رومولا بولسزكي وتزوجا في بوينس أيريس، ولدى عودتهما لأوروبا، أثار هذا الزواج غيرة دياكلييف فقام بطردهما الإثنان. وهنا بدأت مرحلة الضياع فحاول الإثنان العيش في بودابست إلا أن نجنسكي تعرض للإيذاء من أهل زوجته، سافر إلى أمريكا وأسس فرقة وقدم بعض العروض ولكن بسبب مشاكله في التعامل مع الناس والتعاطي معهم وكذلك محاولات دياكلييف المستمرة في دفنه، وأيضا بسب نشوب الحرب لم يحتمل كل ذلك فغادر أمريكا، ومع ظهور بوادر الجنون، قام بكتابة مذكراته. دخل أحد مصحات لندن وبقيت زوجته مع ترعاه، توفي في لندن ولم ينقص من جنونه شيء ودفن في باريس.

إن الحديث عن نجنسكي حالة صعبة ترفض التفسير، فالمعطيات في المدخلات العقلية تكون عادة منطقية، فتقبلها للأفراد أسهل، وهي عادة أوفر تعبيرا. في حين نجنسكي يستخدم جسده للتعبير عن نفسه، في الرقص بزوايا وانكسارات  صعبة الأداء، فتفسيرات هذه الحركات كثيرة وتحتمل الكثير وقد تصل لحد التشويه. إننا تعودنا على التعبير اللفظي والخطابي لإيصال ما نريده ولكن لم نعتد أن نفهم اللغة التي يتكلم بها الجسد وهو أمر تكلم به “زوربا” كثيرا حين قال أول مرة : :”يبدو لي، هكذا أنني افهم شيئا ما، لكن لو حاولت أن أقوله لهدمت كل شيء وذات يوم عندما أكون مستعدا، سأرقصه لك.”  حتى في أفراحه عبر عنها بالرقص بالجسد، وكذلك عندما توفي ابنه لم يحتمل الحزن وقفز يرقص، وفي حين يصفه البعض بالمجنون هو كان يريد تجنب هذا الجنون. رقص نجنسكي جيدا، رقص ليدون ما يشعر به، لقد تحدث إلينا بجسده وأرسل تلك التلميحات الأكيدة على تشاؤمه ونظرته للحياة، ولأنها لغة لم نعهد تفسيرها وجب علينا الحذر من المغالطات التي فد تحدث نتيجة ذلك.

يفسر كولن ولسن نجنسكي بناءا على جملة قالها “الحياة هي الموت” وهي مشابهة لجملة فان كوخ الأخيرة “لن ينتهي الشقاء” إن شقاء نجنسكي ناتج عن تفسيره للحقيقة هروبا من اللاحقيقة والشقاء في كفة والله في كفة، وما الحياة إلا توتر بينهما. تربى نجنسكي على الكاثولكية الرومانية التي تؤمن بـأن الله موجود في كل كائن إلا أناس معينين – القديسون – يصلون لمرحلة يشعرون بهذا الإرتباط. شعر نجنسكي بمثل هذا الإرتباط، حتى أخذ يردد كثيرا “أنا الله”. المشكلة أن نجنسكي لم يمكن صاحب لغة قوية كالمؤلفين، فأخذ يستعير بكلمات بسيطة ويصيغها في بعض الأحيان بطريقة غير مفهومة، فأصبح من السهل الوقوع في خطأ تفسيرها، ومع ذلك عبر في أكثر من مرة عن ما يجول في نفسه بطريقة سليمة، “أنا رجل إنفعالات” كما يقول هو عن نفسه، وكما وصف ولسن أنك تشعر فعلا بإنفعالاته في مذكراته. مشكلته كانت أكبر من ذلك، إن ذلك العقل الصغير الذي حاول أن يكبر فجأة لم يحتمل كل ذلك التأمل والبحث المستمر عن الإدراك النفسي، إن نجنسكي على الرغم من أنه فتح مجالا أوسع ليشمل الفنانون كمفكرون أيضا لم يتدرب على خوض تلك الأمور ولم يتسلح جيدا لها فلم يشاهد في نفسه إلا الفقر والسواد، التشاؤم الذي عاناه وأبقاه بمعزل عن الآخرين حتى عن زوجته التي لم تستطع أن تفهمه حتى تنقذه فهوى سريعا نحو الهاوية. قد تتساءل، ماذا لو امتلك نجنسكي عقلا راجحا كعقل لورانس مثلا؟ هل سينتهي بالجنون؟ على ما يبدو أنه هو ما كان ينقص نجنسكي، هذا أمرا صعبا للغاية، على أنه أكثر قوة من لورانس، أقل تشتتا من الجميع لكن بدون هدف معين بلا مغزى فأصبح أكثر شقاءا من غيره، فبدأ يرى أن الحياة خلاصتها في الموت، والموت ذاته غبطة! لم يكترث به أحد سواء عندما كان طفلا وديعا يرقص الباليه على أنغام ترانفسكي أو شابا متزوجا وله بنت، بقي يرى “نفسه التي حيرها فكره” وحده، وعندما سقط صاح ” … أنا مريض الروح”.   نجنسكي الشاب، الراقص الموهوب، مات صغيرا بعيدا عن شهرة الرقص، مات أمينا للاإنتمائيته !!

Advertisements

Happy Eid everyone ❣️

It’s true that girls are the joy of the eid!